عام

من (التويا) إلى (المردوم) .. كيف (بنت) كردفان ذاكرة السودان الغنائية؟

تقرير: مصعب عبدالله محمد

الغناء الكردفاني بجذوره العميقة وإيقاعاته المتنوعة مثل (الجراري)، (التويا)، و(المردوم).. يشكل احد أعمدة الهوية السودانية وقد نجح فنانو كردفان، وعلى رأسهم عبد القادر سالم وعبد الرحمن عبد الله، وآخرين إخراج هذا الفن من محليته إلى الساحة القومية بل والعالمية أيضاً، مؤسسين لأسلوب موسيقي يعكس بيئة الإنسان الكردفاني وحسه الجمالي. هذه سياحة خفيفة تعكس ذلك (الطرب) و(الونس) الجميل.

(1)

“حين بدأت الغناء، كنت أبحث عن هوية موسيقية تعبر عني، فوجدت في تراث كردفان كنزاً هائلاً، عملت على تطويره وتقديمه بشكل عصري دون أن أفقد جذوره”. هذه إفادة الفنان الدكتور عبدالقادر سالم في كتاب تاريخ الغناء والموسيقي في السودان لمؤلفه معاوية يس وأضاف أن هذه الموسيقى الكردفانية لا تزال تمثل رافداً مهماً في تشكيل الهوية الثقافية السودانية، وينبغي الحفاظ عليها وتطويرها دون مساس بأصالتها.

وأوضح أن الإيقاع الكردفاني هو من أجمل الألحان العالمية، وأنه حافظ عليه ضمن إنتاجه الفني المُسجل، بهوية راسخة وثقافة متجذرة من جنوب كردفان .

وايضاً شرح عبدالقادر سالم كيف استلهم الإيقاعات من بيئة كردفان وأهلها، وأخرج الأغنية الكردفانية من محليتها لتصبح جزءاً من المشهد الفني السوداني والعالمي معاً، مضيفاً لوناً ثقافياً مميزاً في تنوع الأغنية السودانية.

(2)

نذكر من رواد الاغنية الكردفانية واشهرهم فرقة فنون كردفان وإبراهيم موسى أبا، وعبد القادر سالم، وصديق عباس، والملحن جمعة جابر. و(بلوم الغرب )عبدالرحمن عبدالله الي جانب اسماء فنية بارزة أخرى، كما لاننسي ايضاً جيل الشباب مثل الفنان الراحل محمود عبد العزيز والفنانة الراحلة شادن (صاحبة المشروع الفني لتوثيق التراث الموسيقي الكردفاني).

شكلت فنون كردفان قاعدة أساسية في غناء أهل السودان، حيث استفاد منها تاريخياً فنانو الحقيبة وقتها، مثل عبد الكريم الكابلي الذي اعتمد كثيراً على ألحان الجرار والشاشاي وغيرها، وفقاً لما أكده لي عدد من الباحثين الذين التقيتهم أوضحوا لي ان الأغنية الكردفانية اسهمت بشكل كبير في طابع الأغنية القومية السودانية ولكن ضعف التوثيق الرسمي حال دون ظهور ذلك، وايضاً الأخيرة هي التي أسست القاعدة لأغنية الحقيبة الحديثة، وكانت مصدراً غني للهوية الغنائية السودانية.

(3)

يعد عبد الكريم الكابلي أحد أوائل الفنانين السودانيين الذين قدموا الأغنية الكردفانية ضمن رصيده الغنائي المتنوع. من أبرز الأغاني التي أداها من التراث الكردفاني: خال فاطنة – وهي أغنية (سيرة) تراثية قديمة قال عنها النقاد وقتها أن هذا الأداء يعكس مدى التماهي بين الكابلي والوجدان الكردفاني، خصوصاً في الطابع الشعري البسيط والإيقاع الشعبي النابع من بيئات كردفان.

اجريت حوار سابق مع الباحث ورئيس فرقة فنون كردفان وقتها الأستاذ موسي محمد عبدالله الهواري عن الفنون في كردفان اشار في حديثه أن الفن الكردفاني هو الأقرب الي وجدان أهل السودان موضحاً لان مفرداته محببة و(سهلة) لانه مستمد من التراث واصبح يردد في المناسبات والحفلات.

إلى جانب ذلك، يمتلك الهواري رصيداً وافراً من المعرفة بالموسيقى والتراث في منطقة كردفان، ويعد موسوعة حقيقية في هذا المجال.

(4)

خلال حوار اجريته معه قبل سنوات في صحيفة (حكايات) يرى الدكتور الباحث الأستاذ الماحي سليمان أن الأغنية الكردفانية، حافلة بالإيقاعات وهي كنز شعبي، يمكن أن يرتقي بها الفنانون في السودان لتصبح جزءاً من التيار الشعبي العالمي.

وأردف: أن الأغنية الكردفانية وتحديداً إيقاع المردوم، يعتبر جزءا من البنية الوطنية الموسيقية.

وسط الحديث عن أصالة الغناء الكردفاني، تذكّرت إفادة شخصية قالتها لي الفنانة الراحلة شادن حسين، حدثتني بحُب وفخر عن تمسّكها بالفن الكردفاني، يظهر ذلك جليا في جميع أغانيها مضيف لي: أنا بعتز بالغناء الكردفاني “دا تراث بلدي”

وكانت شادن عليه رحمة الله وقتها واضحة في رؤيتها، أكدت لي إن مشروعها الفني (قايم) من البداية على الإيقاعات المحلية، و(بالذات) إيقاع المردوم، لانه يمثل نبض حياة الناس في كردفان علي حد قولها، رحمها الله، كانت فنانة صاحبة مشروع كبير، وفهم واضح لمسارها.

(5)

يضيف الأستاذ معاوية يس في كتابة تاريخ الغناء والموسيقى في السودان أن الاغنية الكردفانية من أغنى وأثرى ألوان الغناء السوداني، من حيث تنوع الإيقاعات والمقامات، حتي الأداء منساب ليس صارم كما في الاغاني الاخري، فهي تجمع بين الأسلوب العربي الفصيح واللهجة التي تكون قريبة من الفصحي احياناً وبعيدا عن مظاهر الغزل المعقدة كما في اغاني الحقيبة.

ويضيف معاوية أن من أبرز هذه الأنماط هي:

(الجراري): غناء جماعي مقطوع يؤدي بدون آلة، منتشر في شمال وغرب كردفان وشمال دارفور (مثل أغنية “الليلة دار أم بادر”)،

(التويا): أداء جماعي على لحن دائري يؤديه الرجال والنساء كورس،

(الكرنق): نمط شائع في وسط كردفان وجبال النوبة، يرافقه رقصة وسط إيقاع الطبلة. والمردوم: شعبي عند قبائل البقارة، يقوم على ضرب الأرض بالأرجل بنمط سريع ومنظم، أشهر أغانيه “(اللوري حل بي) للفنان عبد القادر سالم”. (الدوبيت): غناء شعري حر من بيتين، شائع في شمال كردفان. ثم الحسيس (الهسيس): مشابه للجراري لكن بالإيقاع الأسرع، خصوصاً في مناطق شمال كردفان .

ويشير معاوية أن فنّ كردفان ساهم بشكل كبير في أغاني أهل السودان، مضيفاً استُخدمت ألحان الجراري، (الشاشاي)، البوباي، وغيرها كأساس للأغاني القومية، وبخاصة في أغنية الحقيبة التي اشتهرت في الستينيات والسبعينيات.

ويرى أن الأغنية الكردفانية لم تكن لوناً غنائياً محلياً فحسب، بل رفعت النمط الغنائي السوداني إلى مستوى هوية متعددة المصادر، فشكلت العمود الفقري للغناء القومي الذي مثل بعثاً ثقافياً واجتماعياً.

(6)

تجربة الفنان الشاب الراحل محمد الجزار مع الفنانة صباح عبدالله في كليب الدويتو الشهير (مريومة) كانت نموذجاً حياً على أن الغناء الكردفاني استطاع أن يُعاد إنتاجه بروح معاصرة متجددة، دون أن يفقد جوهره. فقد جسد هذا العمل بين الأصالة والحداثة، ثم حافظ على المضمون الشعبي والملامح التراثية، وفي ذات الوقت قدم بصورة بصرية وصوتية حديثة تعكس تطور الذائقة الفنية وتمسكها بالجذور.

(7)

الموسيقار المرحوم حافظ عبد الرحمن أطلق على إحدى أشهر مقطوعاته اسم “إيقاع الجبل” والتي وصفها بأنها تمثل بيئة كردفان خصوصا وعراقة سكان الجبال والصحارى، واذكر في أحد حواراته أضاف قائلاً: “كانت لدي آلة تناسب إيقاع الجبل (جبل كردفان)، لمحاكاة مقامات أهلنا من البقارة الذين يقودون قطعانهم بأنغام كالحداء هذا يشير إلى تأثره بالبيئة الموسيقية لكردفان، ومحاولة تصوير حركتها وطبائعها عبر آلة (الفلوت).

واردف حافظ: منطقة كردفان غنية بأنماط موسيقية يصعب حصرها. التنوع الإثني واللغوي ساعد على إنتاج أنماط متعددة مثل أغاني الحماسة، والمديح، وأغاني الأعراس. كما أن اعتمادها الكبير على الطبول يجعلها قريبة من الوجدان الأفريقي.”

(8)

يؤكد الباحث د. محمد التجاني عمر قش، في سلسلة أوراقه البحثية عن الغناء الكردفاني، أن هذا اللون الفني يمثل ثروة ثقافية وموسيقية فريدة في السودان، ويستحق البحث والاهتمام العلمي. وأضاف:

“نستطيع القول إن الأغنية الكردفانية، بتنوع إيقاعاتها وضروبها ومفرداتها وطرق أدائها، هي في واقع الأمر ثروة فنية هائلة تستحق البحث والدراسة؛ لأنها سجل حافل بنشاط الإنسان في كردفان وثقافته وتراثه.”

وواصل: أن الغناء الكردفاني ارتكز تاريخيا على بيئتين اجتماعيتين متمايزتين هما “الخف” و”الظلف” بمعني بيئة الأبالة والبقارة، وقد أفرز هذا التنوع الطبيعي والثقافي انماطا موسيقية مميزة وفي الوقت ذاته منفتح علي القومية، وختم” إن الاغنية الكردفانية لازالت قاعدة متينة للأغنية القومية”.

 

 

 

 

 

 

 

 

سودان ترند

“سودان ترند ليست صحيفة فقط، بل مشروع وعي. نريد أن نعيد للخبر قيمته، وللرأي وزنه، وللشعب صوته. نكتب بضمير مهني، ونتعامل مع الحقيقة كقضية لا كعنوان.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى