المقالات

د. مزمل أبو القاسم يكتب : مسار.. قوم فوق!!

(قوم علي حيلك.. قوم فوق يا مسار.. خايفهم يشوفوك؟).. بتلك العبارة الآمرة اللئيمة وفر قائد التمرد على مناوئيه ومنتقديه مشقة نعي مشروعه الفاشل المُدمِّر، لأن العبارة حوت في شقها الثاني (خايفهم يشوفوك) اعترافاً موثقاً وعلنياً بأن الارتباط بمشروع الإجرام والعمالة والقتل والخراب والشفشفة يستوجب الخجل، ويستلزم الاختباء ويتطلب من صاحبه أن يجتهد في ستر عاره وإخفاء عواره بقدر ما يستطيع!

* من ناداه كبير القرامطة وقائد أشاوذ القتل والشفشفة بغلظة وكان متوجساً من مشاهدته جالساً في صفوف المتمردين هو (مسار علي مسار)، الذي عمل وزيراً للزراعة والثروة الحيوانية في ولاية جنوب دارفور عن حزب الأمة عندما كان آدم الفكي والياً للولاية في عهد الإنقاذ، وليس عبد الله علي مسار القيادي البارز الذي شغل عدة مناصب مهمة في عهد حكومة الإنقاذ كما عمل والياً لولاية نهر النيل.

* عبد الله على مسار (وليس مسار اللابد) كان من الذين اعتزلوا الفتنة وممن أجزلوا النصح لحميدتي بأن لا يفكر في التمرد وأن لا يقدم على أي (دواسٍ) مع الجيش فانطبقت على قائد المليشيا مقولة السودانيين الشهيرة (المكتولة ما بتسمع الصايحة)!

* عبد الله علي مسار _المحسوب من عقلاء قبيلة الرزيقات_ لم يكن موجوداً في كمبالا يومها، وهو كما علمت طريح الفارس يعاني من عِلّةٍ في الكُلى بمصر، ومع ذلك ناله الكثير من الأذى لمجرد أن حميدتي نطق اسم شقيقه في خطاب الطربقة والأكاذيب الموثقة، ونبتهل للمولى عز وجل أن يمن عليه بالشفاء العاجل، وأن يضع ما ناله جراء نطق حميدتي باسم أسرته في ميزان حسناته.

* عبد الله علي مسار لم يكن وحده الذي نصح قائد المليشيا بأن لا يفكر في التمرد وأن لا يغترَّ بقوته ولا ينخدع بما يتراءى له من ضعفٍ مزعومٍ للجيش، فقد سبقه اللواء الركن الخير أبو مريدات، (القائد للأسبق لاستخبارات الدعم السريع) على نصح حميدتي غير مرة بأن لا يخرج على سلطان الدولة وأن لا يشهر سلاحه في وجه الجيش، وذكر له أنه ومع أول رصاصة يوجّهها صوب الجيش فسيتم تصنيف قواته (مليشيا متمردة)؛ ومرة أخرى انطبقت على حميدتي مقولة (المكتولة ما بتسمع الصايحة)!

* أذكر أنني وفي لقاء (اجتماعي الطابع) جمعني مع سعادة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي في داره بحي المطار في بواكير الفترة الانتقالية ناقشته حول موضوع ضباط الجيش المُلحقين بقوات الدعم السريع، وكانت العلاقة وقتها متوترةً بعض الشيء بين كباشي وحميدتي، فذكر لي أنهم لا يعولون عليهم كثيراً، فخالفته الرأي وذكرت له أن أولئك الضباط سينحازون إلى الجيش ولن يترددوا في العودة إلى المؤسسة التي يفخرون بالانتماء إليها حال حدوث أي تنازع بين الجيش والقوات المساندة له (باسم الدعم السريع)، وأظن أنني كسبت الرهان لاحقاً، سيما عندما أعلن حميدتي (بعد اندلاع الحرب) أن كل ضباط الجيش المنضوين تحت لواء قواته هجروه وعادوا إلى القوات المسلحة ما خلا أربعة.

* كثيرون نصحوا حميدتي أن لا يدخل في مغامرةٍ مجنونة تدفعه إلى الاصطدام بالجيش، بل إن أحد العقلاء زاره في داره ساعياً إلى نزع فتيل التوتر مع الجيش عقب إقدام المليشيا على محاصرة مطار مروي بمئات التاتشرات، لكنه استكبر وأخذته العزة بالإثم وضرب ساقه بيده وقال لمحدثه بصوت حاد: (أبقى ود مَرَة لو انسحبت)!

* توهم لفرط غفلته ومحض غبائه أن الجيش ضعيف، وأنه غير مستعد للحرب وغير مؤهل لكسبها، وأنه لا يمتلك أسلحة ولا ذخائر كافية ولا مركبات جاهزة ولا مواد غذائية، وظنَّ أنه سيخوض معركة سريعةً وسهلة تنتهي بقتل قادة الجيش أو أسرهم والاستيلاء على السلطة بأقل جهد وأدنى معدل من الخسائر، وبلغت ثقته في نجاح مخططه الشيطاني درجةً جعلته يجاهر بمقولته الشهيرة في اليوم الأول للحرب: (البرهان ما عندو خيار.. يا يستسلم أو نستلمه).. فلم يقبض عليه بقدر ما قبض الريح وحصد الخسران المبين!

* ⁠ما بين مقولة (الشعب كرهنا بسبب الشفشافة)، ومقولة (خايفهم يشوفوك) يتضح عوار وفشل القضية المزعومة، ويعلن حميدتي بعظمة لسانه حقيقةً مُرّة تتصل بتهاوي جيشه واحتراق أحلامه، بعد أن اكتنز كراهية الشعب وصار الاقتراب منه وصمةً تستلزم من صاحبها التخفي والاختباء!

* ويبقى السؤال قائماً: هل كان حميدتي مُسيَّراً أم مُخيَّراً في ما يتعلق بقرار شن الحرب على الجيش في الخامس عشر من شهر أبريل 2023؟

* بمعنى: هل كان قادراً على اتخاذ قرار عدم التورط في الحرب لو أراد تجنبها والحفاظ على السلطة المهولة والنفوذ الكبير والأموال الضخمة التي كانت تتوافر لها حينها.. أم أنه كان مُسيَّراً ومرغماً على خوض المغامرة المجنونةً التي كلفته فقدان كل شيء، وجعلته يهيم على وجهه طريداً بين الدول؟

* الإجابة صعبة، لكن الأرجح أنه لم يكن يملك من أمره شيئاً، ولم يكن يستطيع أن يخالف تعليمات وأوامر كفيله وراعيه الطامع في ابتلاع السودان كله والسيطرة على مقدراته ونهب ثرواته والتحكم في مياهه وأراضيه وأجوائه وموانئه وجغرافيته وحتى تاريخه.. ولم يكن حميدتي قادراً على معارضة تلك الأطماع ولا معارضتها، فاختار أن يصبح مخلب قطٍ في المشروع الشيطاني الساعي إلى ابتلاع السودان.. مُمنياً النفس بأن يتربع على سدة الحكم وينال لقب الأمير.. (صباح الخير.. يا العوير)!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى