
في وقت تواجه فيه الولايات السودانية ضغوطاً اقتصادية ومالية كبيرة، تصبح إدارة الموارد مسؤولية تتجاوز إعداد الموازنات وتحصيل الإيرادات إلى المحافظة على استمرار الخدمات وتحريك مشروعات التنمية. ومن هذا الباب، فإن نتائج الأداء المالي للنصف الأول من العام 2026 بولاية النيل الأبيض تقدم صورة تستحق الوقوف عندها، خصوصاً في ما يتعلق بتمويل المشروعات وتطوير أدوات التحصيل والمتابعة المالية.
فبحسب تقرير الأداء المالي الصادر عن وزارة المالية بالولاية، بلغ إجمالي التمويل المسدد للمشروعات الحكومية خلال الفترة 7.54 مليار جنيه سوداني، منها 6.97 مليار جنيه للمشروعات الأساسية و567.8 مليون جنيه لقطاعات أخرى بالوزارة، مع تسجيل نسبة تنفيذ بلغت 100% للمشروعات المدرجة في الجدول المالي.
هذه الأرقام تصبح أكثر أهمية عندما ننظر إلى طبيعة المشروعات التي ذهبت إليها الأموال. فقد شملت توفير أجهزة ومعدات، وتأهيل مباني وزارة المالية، ومشروعات المياه والمحليات، وتوفير الحواسيب والطابعات، وتركيب أجهزة التحصيل الإلكتروني، إلى جانب سداد أقساط المركبات وغيرها من الاحتياجات التي ترتبط بسير العمل الحكومي.
لكن النقطة التي تستحق اهتماماً خاصاً هي التحصيل الإلكتروني. فالانتقال من التحصيل النقدي التقليدي إلى النظام الإلكتروني يمثل تغييراً مهماً في طريقة إدارة موارد الولاية، لأنه يتيح للوزارة متابعة عمليات التحصيل بصورة أسرع وأكثر دقة، ويقلل من حركة النقد خارج القنوات المالية الرسمية.
وفي الظروف الاقتصادية الحالية، تحتاج الولاية إلى معرفة حجم إيراداتها بصورة واضحة، ومتى وأين تم تحصيلها، وما الذي تم توريده فعلياً إلى الخزانة. وهنا يمكن للتحصيل الإلكتروني أن يؤدي دوراً مهماً، ليس فقط في زيادة الإيرادات، وإنما أيضاً في تقليل التسرب المالي وتحسين الرقابة وتوفير قاعدة بيانات حقيقية عن موارد المحليات والجهات الحكومية.
كما أن إحكام التحصيل يعني موارد إضافية يمكن أن تجد طريقها إلى الخدمات. فالرسوم والإيرادات التي يتم تحصيلها بصورة منتظمة، ثم توريدها ومراجعتها، تصبح جزءاً من قدرة الولاية على تمويل المدارس والمراكز الصحية والمياه والطرق والمرافق العامة، بدلاً من أن تضيع نسبة منها بسبب ضعف الإجراءات أو التعاملات النقدية.
ومن هنا فإن الخطوة المقبلة ينبغي أن تكون في اتجاه توسيع تجربة التحصيل الإلكتروني لتشمل أكبر عدد ممكن من المحليات والجهات الإيرادية، مع تدريب العاملين عليها وربطها بنظام رقابي ومراجعة مستمرة. نجاح التقنية وحده لا يكفي؛ الأهم هو أن تتحول إلى موارد فعلية تدخل خزينة الولاية وتنعكس على الخدمات.
ويأتي ذلك بالتزامن مع نشاط استثماري وإنتاجي ملحوظ في النيل الأبيض، شمل مصانع ومشروعات للدواجن والصناعات الغذائية والحديد والمعادن وغيرها. ومن شأن اتساع النشاط الاقتصادي أن يفتح أمام الولاية مصادر جديدة للإيرادات، إذا صاحبه تنظيم جيد للبيئة الاستثمارية ونظام مالي قادر على متابعة النشاط الاقتصادي وتحقيق العائد العام منه.
وفي المقابل، تكشف أرقام المحليات عن تفاوت يحتاج إلى متابعة. فقد بلغ الصرف في محلية الجبلين 193% من المخصصات المعتمدة، مقابل 78% في كوستي و56% في الدويم خلال النصف الأول من العام. وهذه الأرقام، إلى جانب حجم الإنفاق، تؤكد أهمية المراجعة المستمرة للموازنة وربط الصرف بالأولويات والاحتياجات الفعلية.
إن ما قامت به وزارة المالية في النيل الأبيض خلال النصف الأول من العام يستحق الشكر والتقدير، خاصة في ما يتعلق بتمويل المشروعات وتطوير أدوات التحصيل. لكن الأهم هو مواصلة هذا العمل، لأن نجاح الإدارة المالية لا يقاس فقط بالأرقام المسجلة في التقارير، وإنما بما يتحول من هذه الأرقام إلى خدمات ومشروعات وفرص إنتاج وتحسن ملموس في حياة المواطن.
وتظل زيادة الإيرادات وضبط الإنفاق والتحصيل الإلكتروني وتوسيع قاعدة الاستثمار، في تقديري، مفاتيح أساسية أمام الولاية خلال المرحلة المقبلة. وإذا أحسن استثمارها، فإن النيل الأبيض يمكن أن تعزز مواردها وتقلل من ضغوط العجز، وتوجه جزءاً أكبر من مواردها نحو المواطن والتنمية.